English.      د. الفاتح      . اخبار         .جيتاريات        .موسيقى     .مهرجانات         استفسارات            .الرئيسة

 

 

إسماعيل عبدالمعين 1912م – 1984م

الرئيس اسماعيل الازهرى يكرم الفنان اسماعيل عبد المعين

                                                                   بروفيسور/ الفاتح الطاهر

إن حوادث التاريخ وأحداثه ليست سواء فى ابعادها واثارها ، ولا هى على درجة واحدة من الاهمية . فبعض الحوادث قد تكون عرضاً أو عديمة الاثر فى حياة الشعوب والجماعات ، وبعضها بالغ الاثر فى حياتها ، تجد فيه الاجيال المتعاقبة رمزاً لأمجاد الشعب وسؤدده .. فالاول من يناير عام 1956م كانت نقطة تحول فى السودان الحديث ، فقد اسنطاعت جماهير الشعب ان تقطف ثمار نضالها الطويل القاسى وكفاحها الدامى . و ان تنعم بالحرية و الاستقلال عبر كفاح وتضحيات وشهداء ، واليوم يرفرف علم السودان خفاقاً عالياً يمر شريط الذكريات ويبقى شاهداً للاجيال.

تمر اليوم امام عينى وعيون كل ابناء جيلى ومن سبقوه ذكرى المعارك الدامية والانتفاضات المسلحة والمظاهرات الصاخبة التى خاضها شعبنا البطل فى الخرطوم ، و أم درمان و ، عطبرة ، والابيض، وغيرها .

ففى اواسط عام 1941م إتصل ممثلوا مؤتمر الخريجين بإسماعيل عبدالمعين ، يطلبون منه تلحين نشيد المؤتمر (للعلا) من كلمات خضر احمد .. ووافق إسماعيل لا بوصفه رائداً يكشف الطريق للاجيال القادمة بل بوصفه فناناً مصقولاً وتأثر ضد الاوضاع فى السودان وهى فى الاستعمار وفى مساء ذات اليوم وبعيداً عن ضوضاء المدينة وبهرج الحياة إختلى إسماعيل عبدالمعين بنفسه ، فى مقبرة قريبة من حديقة البلدية فى الخرطوم بحرى ، باحثاً عن الهدوء وخلال ساعات قام بتلحين النشيد ، وفى مساء اليوم الثانى توجه الى نادى الخريجين ودعى مجموعة من شباب النادى واجرى معهم البروفات اللازمة حتى اقتنع بادائهم وبعدها بيوم واحد قدمه امام ممثلى المؤتمر بنادى الخريجين بام درمان الذين كانوا تواقين لسماعه ... بعدها برز رأى عند البعض ، أن كلمات النشيد ليست بمستوى الاهمية والعظمة التاريخية لتأسيس مؤتمر الخريجين العام وبرنامجه الوطنى وأهدافه ، علماً بأن اللحن الذى وضعه اسماعيل عبدالمعين إستقبل باعجاب شديد من قبل الحضور ، وصار هذا الرأى يقلق الكثير من الاعضاء ، وذات يوم سمع بعضهم اسماعيل عبدالمعين يغنى اغنية (فى المعبد المسحور) فاعجبتهم ، واستفسروا عن اسم شاعرها ، فأخبرهم إسماعيل ، بأن مؤلفها شاب يدرس فى دار العلوم بالقاهرة يسمى محى الدين صاير ، عنئذ طلبوا منه ان يوصل رجاءهم اليه .. بكتابة نشيد وطنى خاص يمؤتمر الخريجين وزودوه بمفردات كانوا يرون ان يتضمنها النشيد وهى الكفاح ، رفع العلم ، الخلاص ، وحرية الوطن .

 سافر اسماعيل عبدالمعين بعد انتهاء عطلته الصيفية الى القاهرة والتقى هناك بيمحى الدين صابر فى نادى شمال السودان ، ونقل اليه رغيه ممثلى مؤتمر الخريجين ، فاستقبل الشاعر الشاب الخبر بحرارة وفرحة ومشاركة اعضاء المؤتمر الاحاسيس الوطنية.

وفى نفس مساء اليوم كتب الكلمات (صرخة روت دمى) فاعجب غسماعيل بكلمات النشيد ولحنه وبعد عودته للسودان اجرى البروفات اللازمة وقدم النشيد فى نادى الخريجين بام درمان واستقبله اعضاء المؤتمر باعجاب شديد مشيدين بالشاعر والملحن ، وكان من بين الحضور (الزعيم إسماعيل الازهرى ) و (الشيخ على عبدالرحمن).

كان موقف الادارة البريطانية حيال ظهور هذا النشيد هادئاً للغاية لأن الجمهور الذى سمعه كان يمثل قطاعاً ضيقاً من الناس ، فالادارة لم يحدث ان تدخلت فى نشاط نادى الخريجين الادبى أو الفنى ، لانهم فئة مميزة من السكان المحليين ولا يشكلون إلا نسبة ضئيلة جداً منهم بل كانت تخشى من الاغنية السياسية المضمون التى تغنى فى حفلات جماهيرية لعامة الشعب.

لقد اثبت اسماعيل عبدالمعين بهذا النشيد الرائع ، انه ليس ملحناً موهوباً بل منظماً ووطنياً غيوراً على مصلحة وطنه ، فقد كان يذهب الى المدارس بنفسه ويحفظ المعلمين والتلاميذ اناشيد الوعى أى أناشيد المؤتمر ( للعلا ، صرخة روت دمى، صه ياكنار) ومن بعده يفتحون بها يومهم الدراسى ويرددونها فى الشوارع والمدارس حتى اخذت تنتشر بين الجماهير بشكل واسع ، وتوقظ فى نفوسهم الاحاسيس الوطنية وكراهية الاستعمار البغيض.

وفى هذا الجو العاصف الملتهب أسس إتحاد طلاب كلية غردون ، فلقد ولد هذا الاتحاد مشبعاً باراء وافكار مؤتمر الخريجين الوطنية وكانوا عند عودتهم الى مدنهم وقراهم فى عطلاتهم يتشرون اناشيد الوعى ، واهداف المؤتمر بين سكان هذه المناطق ، ويمكن القول بأن إنطلاقة مؤتمر الخريجين الجماهيرية كانت من المدارس وكليه غردون وفيها نمت افكاره وتبلورت مبادئه وخرجت الى الشارع ووصلت جماهير الشعب المناضلة بواسطة المعلمين والطلبة وكان منهم اسماعيل عبدالمعين.

ونظراً لنمو الوعى القومى عند الجماهير ، فقد حظيت هذه الاناشيد بشهرة واسعة واخذ الكفاح الشعبى والنضال فى صفوف الطبقة العاملة يزداد ، خاصة بعد سنوات الحرب العالمية الثانية فظهرت اناشيد تتناول القضايا الملحة للجماهير الثائرة وبهذه الصورة لعبت اناشيد الوعى دوراً هاماً فى نضال الشعب السودانى من اجل نيل استقلاله الوطنى ، وضد سيطرة الاستعمار المكروه ، وما ان لمع اسماعيل عبدالمعين كملحن ومغنى هذه الاناشيد حتى انهالت عليه الدعوات للغناء من مختلف مدن البلاد  ، مدنى ، عطبرة ، كوستى، الابيض، وبورتسودان.

سافر اسماعيل عبدالمعيت الى الابيض بهدف اقامة حفل استجابة لرغبة اهل المدينة الثائرة وهنالك اتصل به احد المواطنين ونصجه بأن لا يغنى اناشيد المؤتمر دون ان يوضح له السبب وفى يوم الحفل بسينما كردفان احنشد الاف من الناس نساء ورجال واطفال وكان من بين الحضور عدد من الاداريين الانجليز الذين بعملون بالمدينة زمسئولين عنها ، ارادوا أن يستمعوا الى اناشيد المؤتمر بصوت المطرب السودانى الشهير.

عنى اسماعيل فى البداية اعانية الوجدانية ( جبال التاكا) ، ( قابلته مع البياح) ، ( ويا نديم الصبوات) واثناء وصلته توجهت احدى السيدات الحاضرات فى الصالة ، بطلب معبرة  عن الرغبة المشركة للحضور قائلة : ( عبدالمعين ... عايزين نسمع أناشيد المؤتمر ) ومن أثر ذلك نهض رجل واقترب من اسماعيل ، فمنعه من ذلك . عندها توجه اسماعيل الى الجمهور برجاء ، بطلب فيه من الجميع الوقوف بحجة أن اناشيد المؤتمر ينبغى الاستماع اليها وقوفاً غنى اسماعيل الاناشيد الثلاثة (للعلا) (صرخة روت دمى ) (صه ياكنار) باداء جميل وخطابية مشبعة بجمال صادق وايمان عميق وخلفه شباب المؤتمر يرددون من بعده مقاطع من الاناشيد ، وبعد الحفل حملت الجماهير المتحمسة الفنان الكبير على الاكتاف خارج السينما الى الشارع الفسيح .. مرددة الهتافات بسقوط الاستعمار ، واخرى بنضال الشعب ومؤتمر الخريجين وفيما بعد علم اسماعيل ان الرجل المجهول الذى نصحه بالا يغنى فى الحفل اناشيد المؤتمر ، كان مدسوساً من قبل الانجليز.

ورغماً عن إرادة الادارة البريطانية ، انتشرت أناشيد الوعى واصبحت الاغانى المحببة للشعب يرددها فى تظاهراته وضراباته وممارساته النضالية اليومية.

 وفى كل عام يطل الاستقلال أليس من الوفاء أن نذكر بكل محبة وتقدير الفنان المناضل اسماعيل عبدالمعين ، اخد اولئك الفرسان الافذاذ الذين اغنوا حياتنا الفكرية واسهموا بدور كبير فى تثقيف ابناء الشعب وتوعيتهم من اجل ان يثوروا فى وجه جلاديهم الذيبن اذاقوهم الوان العذاب والاذى الجسدى والنفسى الى ان اشرقت شمس الاستقلال ، وطلع الفجر ساطعاً من مشاعل الثوار والفلاحين والعمال والفقراء ودموع الامهات فى صباح الاول من يناير 1956م !!!!.