English.      د. الفاتح      . اخبار         .جيتاريات        .موسيقى     .مهرجانات         استفسارات            .الرئيسة

 

 

    

توظيف التراث الوطني في الارتقاء بالذوق الفني للنشئ

              د.كمال يوسف على

  جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا

                                                       كلية الموسيقي والدراما

 

 

بين العولمة والحفاظ علي الهوية الموسيقية:

       جبلت الإنسانية أصلاً علي التواصل والتبادل الثقافي ، وتعد الموسيقي وأحداً من أبرز المظاهر الثقافية التي تؤكد علي هذا المعني ، وذلك لما تذخر به من ثراء نغمي وإيقاعي تراكم علي مرّ القرون نتيجة لهذا التبادل ، وهو أمر يمكن النظر إليه من خلال طبيعة الآلات الموسيقية التي نمت وتطورت أثناء تنقلها ما بين الحضارات الإنسانية المختلفة مثل آلات الفلوت والكمان والهارب وغيرها من الآلات التي أصبحت بمثابة آلات عالمية في القرون الأخيرة وتعود جذورها إلي أقدم الحضارات في وادي النيل ووادي الرافدين ومناطق آسيا القديمة المختلفة . لكن طبيعة التثاقف والتبادل الحضاري كانت تتم بما يتفق وإيقاع الحياة في الأزمان الماضية فكان كل مظهر جديد يأخذ دورته كاملة حتى يتم استيعابه في البيئة التي وفد إليها ، والآن أيضاً يتم هذا التثاقف بما يتفق وإيقاع الحياة في هذا الزمان ، لكنه إيقاع سريع جداً في هذه المرة اعتمد علي الإنجازات العلمية المتراكمة في تصميم آلياته لاختراق الحدود الثقافية المتبانية ، للحد الذي يدفع بمنظري النظام العالمي الجديد إلي التفكير في إمكانية كتابة تاريخ شامل لمختلف اتجاهات الكون وهو ذات المعني الذي يؤكد عليه فرانسيس فوكاياما قائلاً: " إن الفيزياء الحديثة قد أعطتنا أواليه أدي انتشارها التدريجي إلي إعطاء التاريخ الإنساني في العصور العديدة التي مضت ، اتجاهاً معيناً وتماسكاً معيناً . هذه الإوالية هي حقاً شاملة في عصر لا نستطيع أن نماثل تجارب أوربا وأميركا الشمالية مع تجارب الإنسانية بمجملها ، إذا استثنينا بعض القبائل السائرة نحو الانقراض السريع في أدغال البرازيل أو بابوازيا ، لا نعثر علي فرع واحد من الإنسانية لم يتأثر بالنظام الحديث . ليس ذلك إذاً دلالة علي الإقليمية بل هو دلالة علي الكوسموبوليتانية " (1) ويؤكد فوكياما في سياق حديثه علي ضرورة الاعتراف بوجود ثقافة عالمية مرتكزة علي نمو اقتصادي تحركه التكنولوجيا والعلاقات الاقتصادية الرأسمالية وهي ثقافة من العسير علي المجتمعات  مقاومتها ، فمن لم ينصاع لها بالقوة العسكرية فقد أغراه بريقها المادي الذي خلقته الفيزياء الحديثة (2) وهذه الثقافة المعنية هي ما أصبح يتعارف عليه اصطلاحاً باسم "العولمة" وهي الوجه الآخر لعملة النظام العالمي الجديد ، والعولمة مصطلح زاد انتشار استخدمه منذ بداية التسعينات مرتبطاً بالثورة العلمية والمعلوماتية التي اكتسحت العالم وأوجدت نوعاً من التداخل الكثيف في العلاقات الاجتماعية والسياسية والثقافية بين مختلف دول العالم بشكل يصعب التحكم فيه أو في ضبط تأثيراته التي تتخطى كل الحدود وتحطم كل القيود التقليدية(3) الأمر الذي حدا ببعض الباحثين إلي وصف العولمة بأنها " تقتات الاقتصاد والاجتماع والثقافة وتتجاوز النظم أو الايديلوجيا ، وتعد تشكيلة منوعة من الأنظمة والبني تحدد ممثليها الدول الكبرى والشركات متعددة الجنسيات والمنظمات العالمية وهي ليست أكثر من حركة جهنمية تنطلق بسرعة وتخطف في طريقها الآمال والأحلام " (4) وهي ليست آمال تتعلق لتحسن الأحوال الاقتصادية أو أحلام بالرفاه والحياة الرغدة فحسب ، بل هي آمال وأحلام تتعلق أيضاً بالثقافة الوطنية والتراث والأصالة التي نأمل في أن تكون هي معبرنا نحو الآخر في ظل واقع العولمة لكن تضمر آمالنا وتخبو أحلامنا عندما نري أن ناشئة فلذات أكبادنا يغيرون في مظهرهم وملبسهم وفق ما يرون في محطات البث العالمية حتى يكونون أكثر انسجاماً مع ما يحرصون علي تناوله من شطائر البيرغر وسماعات المسجلات الصغيرة معلقة في آذانهم يسمعون منها إلي أغنيات وإيقاعات (الراب) إذاً فالوضع معقد والأحوال السياسية والاقتصادية عالمياً متداخلة وبشدة مع الحياة الثقافية اليومية لكل مجتمع علي الرغم مما يميزه من خصوصيات ، ويمكننا القول بأننا نعيش عهد استعمار جديد يقول عنه عبد الحي زلوم: " فقد حلّ استعمار الشركات العبرقطرية المتعولمة محل الاستعمار ذي النمط القديم المتمثل في الاحتلال المباشر والاستعمار الفعلي ، فمن أجل تسهيل عمليات شركة الهند الشرقية ، ثم احتلال الهند واستعمارها ، أما الآن فقد توقف اللجوء إلي الاحتلال المباشر وذلك باتباع عمليات في غاية الذكاء ، ولكنها أكثر مكراً ودها وغدراً وتنظيماً " (5) الأمر الذي يحتم علينا كشعوب مستهدفة بهذا النوع من الاستعمار خوض أشكال من النضال والمجابهة الجديدة ، فإذا ما كانت شعوبنا العربية والأفريقية وفي العالم الثالث بصفة عامة قد بذلت الغالي والنفيس من المهج والأرواح في منافحة المستعمرين والاحتلال المباشر عقوداً طويلة ، فإن آليات الاستعمار الجديد تحتم علينا البحث أيضاً عن آليات مجابهة جديدة ، تليق بشكل الهيمنة والسطوة الجديدة ، وهي لا شك آليات فكرية تتطلب شحذ الأذهان في سبيل العمل علي إحياء التراث الوطني والاستفادة منه وتوظيفه في التربية والتعليم والارتقاء بالذوق الفني للنشئ ، بالقدر الذي يمكننا أن نفهمه علي أساس الضرورة الاجتماعية والثقافية حتى لا يحسب علينا كضرب من ضروب التقوقع والانكفاء الذاتي ، واضعين في الاعتبار ارتباط النشاط الموسيقي بمختلف أوجه الحياة الاجتماعية مؤكدين علي ما ساقه الفيلسوف جوليوس بورتنوي بأن الموسيقي: " لا يمكن أن تفهم وتقدر إلا في سياقها التاريخي ، فالعوامل الدينية والدنيوية والاتجاهات السياسية للعصر والمعتقدات الاجتماعية للشعب ، كلها عناصر ضرورية في تناول الموضوعات الموسيقية بالدراسة " (6) وهو ذات المعني الذي يؤكد عليه الفاتح الطاهر بقوله: " إنه لا يمكننا إلا أن نتفق مع رأي العديد من الباحثين في مجال دراسات الأنشطة هو ارتباطها بالسمات الاجتماعية متأثرة بتفاصيلها العرقية والجغرافية " (7) وبوضع كل هذه العوامل في الاعتبار يمكننا العمل علي الحفاظ علي هويتنا الموسيقية وأرثها التليد في ظل ثقافة العولمة التي أصبحت بمثابة واقع لافكاك منه بل لابد من توظيفه لتنشيط تراثنا ونقله للآخر .

تجربة الاستفادة من الموروث الشعبي في السودان:

       في عام 1981 أعد الفاتح الطاهر كتاباً بعنوان " صولفيج غنائي علي المقامات الخماسية من الفلكلور السوداني وأقطار أخرى " راجع الكتاب كل من (د. كاما رافئيل) و (د. سيجيتيف سيرجي) وقدم له الأخير مزكياً مؤلف الكتاب مبيناً إعجابه بالعمل الذي احتواه الكتاب باعتباره انتصاراً للموسيقي في العالم في الثالث . (8) وقد بيَّن مؤلف الكتاب أن هدفه من إصدار الكتاب هو تربية النشئ علي موسيقي قائمة علي الأغنية الشعبية في إطار علمي مدروس (9) وقد كان لتلك الدراسة أهمية قصوى في فتح باب البحث في التراث الشعبي في السودان علي أساس علمي بعد دراسة وتحديد الخصائص والسمات والنظم النغمية بغرض توظيفها في وضع وتصميم مناهج تدريس الموسيقي في السودان ، وكان أن أعقبت تلك الدراسة العديد من البحوث والدراسات التي تناولت شتي ضروب الثقافة الموسيقية في السودان بغرض إدخالها في برامج التعليم الموسيقي في مختلف مراحله وكان آخرها البحث الذي أعده كمال يوسف لنيل درجة الماجستير في العام 2001 تحت عنوان " إمكانية الاستفادة من ألحان الحقيبة في تدريس آلة الفلوت " وأغاني الحقيبة هي نوع من الغناء الذي استمد شكله من أصول شعبية نشأ في وسط السودان في مطلع العقد الثالث من القرن العشرين وما زال متداولاً وقد طوّر الباحث في تلك الدراسة آليات البحث في توظيف خصائص النظام النغمي الخماسي في رفع تقنيات الأداء ومهارات العزف علي آلة الفلوت كنموذج يمكن إعادة تطبيقه علي مختلف الآلات وفقاً لخصائص كل منها التكنيكية ، بل يمكن الاستفادة منه أيضاً في تنمية القدرات الأدائية لدارسي الصوت وفي تدريس مادة الصولفيج . الأمر الذي ترتب عليه إجراء مزيد من الدراسات علي مختلف مراحل الثقافة الموسيقية في السودان ومن أمثلة ذلك ما نسوقه في هذه الورقة وهي تجربة قد تم تطبيقها من قبل الباحث في مختلف المراحل التعليمية للاستفادة من الألحان السودانية في التعريف بخصائص السلم الخماسي من خلال دروس مادة الصولفيج وتدريس النش من سن ست إلي ثماني سنوات مبادئ العزف علي آلة البيانو ، والنموذج عبارة عن لحن لأغنية سودانية معروفة ولحنها شائع ومحبوب ، لحنها وتغني بها المطرب السوداني محمد وردي في مطلع ستينات القرن العشرين وما زالت من الأغنيات الحية في الثقافة السودانية نسبة لقيامها علي إيقاع (التم تم) وهو إيقاع ثلاثي بسيط راقص ، لحنها بسيط ومباشر في تعريفه بالنوع الأول من مقامات النظام النغمي الخماسي ، وهو النوع الشائع والمتعارف عليه في إطار وصف السلم الخماسي ، ويتم توظيف النموذج في تدريبات القراءة الصولفائية من حيث التعريف بالأشكال الإيقاعية والأبعاد الموسيقية وعلاقتها ببعضها البعض وفي شرح مفهوم السلم الخماسي وتأكيد خصائصه في مقابل بنية وتكوين السلم الدياتوني الذي يتعرَّف عليه التلاميذ والطلاب من خلال العديد من الأعمال الغنائية الشائعة . في مناهج تدريس الأطفال الإنجليزية وغيرها ، ويري الباحث أن في تقديم مثل هذا النموذج إتاحة قدر أكبر من التعرّف علي العمل الموسيقي المحلي من خلال قراءته صولفائياً بدلاً عن مجرد ترديد اللحن أو التغني بكلمات الأغنية الأمر الذي يقود بدوره إلي تيسير محاولات صغار التلاميذ في العزف علي مختلف الآلات من خلال ربطهم بين الحروف الموسيقية للحن ومواقع هذه الحروف علي الآلات التي يعزف عليها كل منهم ، ونكون بذلك قد حققنا عدداً من الأهداف التعليمية العامة والخاصة من خلال توظيف اللحن الوطني والاستفادة منه في الارتقاء بذوق الناشئ وتزويده بما يحصنه ضد امتصاص كل ما هو وارد بقدر يمكنه معه أن ينسي جمال إرثه المحلي . ويبقي النموذج قابلاً للعديد من الاشتقاقات والتنويعات وفقاً للأهداف التدريسية المختلفة ولمختلف المراحل والأغراض التعليمية .

                                                

                                               

الهوامش

 1. فرانسيس فوكوياما . نهاية التاريخ والإنسان الأخير . مطاع الصفدي (ترجمة وتقديم)  مركز الإنماء القومي . بيروت 1993 ص 137 .

2.    فرانسيس فوكوياما . نفس المصدر ص 137 .

3. محمد على حوات . العرب والعولمة " شجون الحاضر وغموض المستقبل" . مكتبة مدبولي ، القاهرة 2002 ص 10 ، 11 .

4. مجدي عزيز إبراهيم . منطلقات المنهج التربوي في مجتمع المعرفة . عالم الكتب ، القاهرة 2002 ص 258 .

5.  عبد الحي زلوم . نُذُر العولمة . المؤسسة العربية للدراسات والنشر ، بيروت لبنان ط ث 2000 ص 18 .

6. جوليوس بور تنوي . الفيلسوف وفن الموسيقي . الهئية المصرية العامة للكتاب ، القاهرة 1974 ص 340 .

7.     Elfatih Eltahir Diab . Sudan fohklore, Khartoum 1999 (p)1         

8.    الفاتح الطاهر دياب . صولفيج علي المقامات الخماسية من الفلكلور السوداني وأقطار أخرى . المجلس القومي للتعليم العالي ، المعهد العالي للموسيقي والمسرح . دار الطابع العربي . الخرطوم 1981 ص 2 . 

9.     الفاتح الطاهر دياب . نفس المصدر ص 3 .