|
عبدالكريم عبدالله مختار (كرومة) 1910م – 1947م

بروفيسور/
الفاتح
الطاهر
كل
شعوب العالم تهتم بتاريخها وتعتز بالصفحات المضيئة فى هذا التاريخ ...
ولكننا نتكاسل ونمارس هوايتنا المريضة فى اهمال ماضينا وإنكاره وتقف
مؤسساتنا الثقافية مواقف العاجز امام مانملكه من تراث فنى ثمين لان العيش
ليس عند خبازه كما تقول المقولة.
وتمر ذكرى كرومة يوم بعد يوم وعاماً بعد عام ..نتحسر على اننا لم نقدر تلك
الموهبة الفذة وذلك النبع الموسيقى العظيم ، وما زالت الحانه تعتبر منجم
وما زال مريدوه شباباً وشيوخاً يتذكرونه .. حقاً رحل عنا كرومة جسداً فقط
.. وبقى معنا روحاً وحياة .. ذكريات باقية حتى هذه اللحظة وللحظات اخرى
طويلة قادمة لا بعلم مداها إلا الله ..ويكفى اغنياته الالف التى لحنها
ويحفظها الناس ويرددونها فى افراحهم ومناسباتهم.
لقد كانت حياته كما شاهدت وسمعت وقرأت .. حياة إنسان هادئ حساس ، رقيق
المشاعر .. قلبه كله حب وود للناس .. لايحمل كرهاً أو ضغينة لأحد .. كان
يحمل للناس رسالة الحب ويذكرهم بها فى كل لحظة ... كان عاقلاً لا يعد
الحدود وكانت له نظرة جادة وشخصية قوية .. يتكلم قليلاً ويلحن كثيراً.
تقول الحكمة الشعبية ... (الانسان ذكرى واجمل الذكرى ما كان عطراً ) فاذا
كانت الذكرى هى كل ثروة الانسان بعد مماته .. فأن كرومة يصبح أثرى الأثرياء
... والذكرى تعيش فى قلوب وعقول الاصدقاء والاقرباء والمحيطين بالانسانية
وفى وجدان الوطن.
لمن تغنى ام درمان الان ؟؟
سؤالى هذا الذى طرحته على عدد كبير من أهل الفن والغناء والملحنين وبسطاء
الناس فى الشارع السودانى... إختلفت الاجابات باختلاف الامزجة والتقلبات
والاعمار دون شك ولكن الحصاد النهائى للاجابات ... أم درمان التى هى
السودان تغنى اغانى كرومة.
ولد عبدالكريم عبدالله مختار (كرومة) عام 1910م بحى السيد المكى بامدرمان
وتلقى تعليمه الاولى بمدرسة الهجرة الاولية (الركابيا حالياً) وكغيره من
عظماء الموسيقى احبها وهو صغير عندما كان يسمع والدته المطربة مستورة بنت
عرضو صاحبة الصوت الجميل تغنى الاغانى الشعبية ... وكان لجمال صوته وحبه
للموسيقى ورغبته الاكيدة فى حفظ اغانى التراث واغانى خليل فرح وسرور وعمر
البنا فى ظهور موهبته الغنائية مبكراً .
بدأ تجربته مع الغناء فى الحى وهو لم يتجاوز الرابعة عشر ، وبعدها صار يغنى
لزملائه فى المدرسة .. كانت هذه المرحلة هى مرحلة التكوين استمع البه
المطرب الشاعر عمر البناء بطريق الصدفة .. ويقول عمر ( وانا اسمع ما يغنيه
وجدت شاباً صغيراً صاحب صوت جميل يشدو باحدى اغنياتى .. فقلت له .. عندك
مانع تغنى زى ما بغنى فى الحفلات والمناسبات .. قال ياريت يا عمر .. وبعد
ذلك بدأ يشارك فى الحفلات ويغنى ببراعة اغانى خليل فرح وعمر البنا وسيد
عبدالعزيز ... كان ذلك فى عام 1925م.
فى العام 1927م اتجه كرومة بخطواته نحو مرحلة جديدة اكثر اتشاراً عندما أحس
بأن موهبة التلحين متوفرة لديه .. فقام بتلحين اغنيتى (أنا ما معيون ، نظرة
يالسمحة أم عجن)على ايقاع راقص مستفيداً من ايقاعات طريقة الاسماعيلية التى
تقع زاويتها بالقرب من منزله .. وكانت هذه المحاولة هى نقله من الغناء
البطئ الرتيب الى الغناء المتحرك .
بدأت شخصيته الفنية تتحدد ويصبح ملحناً له مذاق خاص.. وبدأت الحانه على
اصوات سرور وعبدالله الماحى والامين برهان ، على الشايقى والفاضل احمد
واخرين من الاصوات المعروفة واصبح مدرسة لحنية قائمة بذاتها ... مدرسة لها
شخصية وفهم واصول ... كان يغنى الاغنية الجديدة فى المساء لتصبح فى اليوم
التالى على السنة الجميع، كاغنية شارع متدفقة فى كل مكان أياً كانت صعوبة
كلماتها .. فاللحن له ملمح خاص وهيكل وبدايبة ووسط ونهاية ، معمار متميز
وقائم بذاته وهنا تكمن عبقريته فى قدرته على التنوع والانصهار فى كل عمل
جديد يقدمه ... جذاباً مبهراً ولذا نحب كرومة ولا نشعر بالنمطية أبداً
والتى نجدها عند غيره من المطربين .
لقد كانت اغانيه عزاء وقوة دافعة مسحت كثيراً من احزان الناس وفجرت ينابيع
الفرح والسعادة فى قلب الحيتة البسيطة التى يعيشها ابناء الشعب فى تعب
وعناء وتحت سيطرة الحكم البريطانى البغيض.
قال عنه فناننا الكبير اسماعيل عبدالمعين ( عندما استمعت اليه لأول مرة
أحسست بأننى أمام ثورة غنائية متمثلة فى نبرة وقوة صوته .. فقررت أنه لبس
إمتداداً لمرحلة غنائية أو مدرسة كانت موجودة على الساحة من قبل بل هو شئ
جديد يأسر القلوب وبصوته وأدائه كما يأسرها أيضاً بأخلاقه الرقيقة وقلبه
الكبير وإخلاصه ووفائه لفنه )
كان الوفاء بين ابناء هذا الجيل جميلاً ونبيلاً وصادقاً وخالياً من
الانانية لأن حب الفن جمع بينهم ووحد مشوارهم واحاسيسهم .. فكان فنهم
عظيماً لا مزيفاً مثل ما نسمعه هذه الايام .
وكرومة العبقرى لكل عصر ، وعبقريته نجدها فى بساطة وصدق إحساسه وقد استطاع
بتلك البساطة وهذا الصدق أن يفرض نفسه على كل من حوله بعد أن نال شهرة
عظيمة ليصبح المطرب رقم واحد .. فقد كان اكثرهم تأثيراً بلا حدود ، وتأثيره
جاء من ناحية التزامه وإيمانه بعمله وتشبعه برسالته وتضحيته بكل شئ فى سبيل
الكمال الفنى فى سبيل ان يكون انتاجه مميزاً من حيث الجودة والتفرد ...
وكرومة قدوة لأى انسان فى أى مجال من مجالات الحياة يريد أن بتعلم ويرتفع
حتى يبقى فى ضمير الناس ووجدانهم .
وعندما نزلت اسطوانته (دمعة الشوق) عام 1934م فقد سجلت نجاحاً باهراً
واكتسحت ماكان موجوداً فى السوق من اسطوانات ... لقد احب الناس هذه الاغنية
لأن كل ما فيها يدعوا الى الحب والاحترام والتقدير ، وإحساس الناس مثل
البوصلة لايمكن ان يخطئ على الاطلاق .. لذا ارتبط الناس بالاغنية .. رددها
أى إنها نجحت فنياً وجماهبرياً وبعدها أتجه الى اغنيات اكثر دفئاً من حيث
اللحن والتفيذ..
وبدأ نجمه يزداد ارتفاعاً ولمعاناً عندما ظهرت ملامح الرومانسية فى اغانيه
(زدنى فى هجرانى، هل تدرى يا نعسان ويانسيم بالله اشكى له ، زمانك والهوى ،
وياحبيبى انا عيان) وغيرها من الابداعات .
ومن جراء الارهاق والسهر والمجاملات الكثيرة اصيب فى اواخر عام 1946م بنزيف
حاد ونقل على أثره الى مستشفى ام درمان ... وقد نصحه الاطباء بالخلود
للراحة وعدم تناول المشروبات الكحولية ، ولكن صديقه عمر عثمان الذى تربطه
به علاقة قوية استطاع ان يهربه من المستشفى ليشارك فى زواج ابن الحى
"الركابية" (خضر يعقوب) عم رجل الاعمال المعروف صالح عبد الرحمن يعقوب ...
وأثناء إعداد الفنان نفسه لوصلته اصيب بحالة اغماء شديدة ونزيف حاد فوضع
يده على وجهه ثم فقد الوعى وارتمى على الارض فنقله الحاضرون الى المستشفى.
وفى صبيحة اليوم التالى الجمعة 7/1/1947م ... وبينما كان مؤلف الكتاب خارج
من منزل يطل على طلمبة بنزين محطه مكى لشراء لوازم الصباح وهو طفل ... شاهد
جسماناً محمولاً على الاكتاف وخلفه عدد قليل من الناس ومعظمهم اصدقاء
ومعارف له ... فاستفسر وأخطر بأن كرومة فى ذمة الله ... رجع عائداً الى
منزله واخطر والدته بالنبأ الحزين وقامت هى بدورها باخطار بعض نساء الحى ..
خاصة وكرومة كان انساناً (عشرياً) ومحبوباًً للغاية عند سكان حى الركابية
... يشاركهم افراحهم بسعادة دون مقابل مادى .. وزواج عربى البارودى خير
دليل والذى عمل له اغنية خاصة تمجد هذه المناسبة .
قضينا ليلة ساهرة تتوجت قياصر
تلألأت كواكب من اطيب العناصر
لصديقنا البارودى
|