|
عبدالرحمن الريح 1918م – 1991م

بروفيسور الفاتح
الطاهر
ام درمان سليلة المجد ومهد الحضارة القومية ومنبت الابداع لها عتاد فنى
عظيم من مكونات الانسانية عبر تاريخها متمثلاً فى تراثها الزاخر وكبار
مبدعيها الذين فجروا فى بداية هذا القرن نهضة ثقافية وفنية كبرى حددت لنا
مساراتنا الفنية التى نسير عليها الان .
فى خريف عام 1923م انطلقت الشرارة الاولى من ام درمان فى احدث تغيير معين
فى اسلوب الغناء غير اغانى (الطنابرة العتيقة) ورميات محمد ود الفكى ..
فكانت اغانى الحقيبة وهى مرحلة تاريخية هامة . فدخلت هذه الاغانى الوجدان
والعقل والذاكرة بشكلها الخاص ... بسيطة الفهم والادراك ولا تحتاج الى
مجهود كثير فى الذهن لكونها مشيدة غالباً على ايقاعات وموازين بسيطة تنسجم
كلياً مع الاغانى والقصائد الفلكلورية ذات الاسلوب الخفيف المرح وبذلك فقد
ارست الحياة الامدرمانية جزوراً لحركتها الفنية.
والفضل فى ازدهار اغنية الحقيبة يرجع الى شعراء ومطربى ام درمان (ابراهيم
العبادى، صالح عبدالسيد (ابو صلاج) ، عمر البنا ، عبيد عبدالرحمن ، سيد
عبدالعزيز، محمد بشير عتيق ، عبدالرحمن الريح ، الامين برهان ، كرومة ،
الفاضل احمد ، ابراهيم عبدالجليل) واخرين..
لقد كان هؤلاء الشعراء والمطربون يمجدون جمال وفضائل فتاة احلامهم بتعابير
زاد لطفها الحب المهذب يعنى مثالية رفيعة من شأنها بعث اسمى التأملات
الشعرية وأرق الاغانى العاطفية .
يعتبر عبدالرحمن الريح أحد رواد هذه الحركة الفنية فى السودان واخر شعراء
الحقيبة ، عمل ومنذ البداية على ترسيخ مفاهيمها ومبادئها الابداعية
والجمالية والفنية ، له تاريخ فنى قائم بذاته له جزوره وامتداداته وفروعه
المثمرة فى كافة المجالات الغنائية ، وهبه الله المجد فتواضع وأقر بفضل
الله عليه.
ولد عبدالرحمن الريح بحى العرب افتراضياً عام 1918م وفى فترة طفولته بالذات
كان هذا الحى ينبض بالحياة ويحتفظ بكل خصائصة كاملة . يملك الموروث الشعيى
القديم فى الحارة السودانية حضارة وثقافة وفكراً وتختلط فيه الازكار
الصوفية والطقوس الدينية بساحة الاولياء ومن هنا كان الحس بوتقة انصهرت
فيها شخصية عبدالرحمن الابداعية . لقد أحاط بكل اللغات وبكل القواعد وطرق
البناء ولم يتخرب وانما هضم كل تلك الطرق المتضاربة ظاهراً وخرج منها بلغته
الشخصية.
إن نشأته المتواضعة هذه قد هيأت له تشرب الروح والجد والملامح والظلال
والتراث الشعبى الضخم الذى تموج به هذه المدينة .
ومن هنا لابد من وقفة مهمة فى حياة هذا الفنان وهى نقطة العطاء الفنى عنده
والفنان لابد ان يمر بمراحل عديدة اولها مرحلة البداية وفيها يكون الفنان
فى حالة تعلم وهى مرحلة مهمة جداً و اساسية فى جمهورية الغناء السودانى
وتعنى الكفاح لاثبات الذات .
بدأ باغانى ذات نمط جديد ( انا سهران يا ليل ، خدارى، جانى طيفه طايف) ،
بعد ان تحرى المواضيع البسيطة المباشرة والاحداث المختلفة منقولة الى الناس
والمشاعر المالوفة والمترجمة بنبرة الحقيبة وبالتالى القريبة من الحياة
العادية بما يكفى لتجد صدى عند الجمهور الاقل تجاوباً مع التحولات الفنية ،
واتخذت الصيغة البسيطة وادخل فيها الغناء الجميل خلسة لا طظاهرة باذخة
مخصصة للمتذوقين بل كتسلية ديمقراطية مبسطة ولذا نجد ان كرومة عندما كان
يغن فى احدى الحفلات طلبت منه الجماهير ان يغن ثلاث اغنيات وكانت جميعها من
كلمات والحان عبد الرحمن الريح فغناها لان رغبة الجماهير هى الغالبة وقد
تقبلتها بفرحة وسعادة الاغانى هى التى بدأ بها مشسواره الفنى (خدارى ، انا
سهران ياليل)... فالفن الجيد يصل بسرعة الى القلوب .. وهذا ان دل على شئ
انما يدل على ان شاعرنا الكبير بدأ بداية طيبة قوية استطاع من خلالها ان
يزرع رنة جديدة للجمال فى جسد الاغنية السودانية ، فصال وجال مغامراً من
اجل الجملة اللحنية والشكل اللحنى والكلمة الهادفة وحافظ على روح الغناء
السودانى وايقاعاته مع لمس الحس الشعبى .
كان التم تم ثورة فنية ونقطة تحول فى الاغنية السودانية ، انتقلت به من
الايقاع البطئ الى الايقاع الاسرع ... وكانت الناس مهوسة به ، فقدم ما
رددته الجماهير ومن بينها (لى زمن بنادى وخدارى) وقد استطاع عبدالرحمن
الريح بحق وبشكل ملموس وواضح فى تشكيل ذوق المجتمع السودانى وفى السنوات
التى نصاعد فيها الكفاح الشعبى عموماً والنضال فى صفوف الطبقة العاملة بصفة
خاصة سنوات الحرب العالمية الثانية ظهرت اغانى تتناول القضايا الملحة
للجماهير الشعبية فقدم رجال الحدود .
هيا يا رجال الحدود دافعوا عن ارض الجدود
واتذكروا النايرة ام خدود
وقد غناها الفنان الكبير سرور ، وايضاً عندما اشعل مؤتمر الخريجين العام
نار الوطنية إنعكس هذا الشعور الوطنى على الادب والفن فكان عبدالرحمن الريح
يبث الروح الوطنية عبر ظريق شعره واغانيه واستمر على هذا المنوال حتلى غادر
الاستعمار البغيض البلاد.
المرحلة الثانية : وهى اكثر مراحل حياته الفنية نضجاً وتحكماً واستيعاباً
لادواتها الفنية التعبيرية التى استخدمها فى مرحلته السابقة بتلقائية
وفطرية ، ويقول عبدالرحمن الريح ( أنا أعتز جداً بهذه المرحلة ففيها كفاح
وتعب وعرق)
بدأ فى هذه المرحلة انه يلتمس مفاتيحه الفنية الحقيقية واخذ يدخل مساحة
فنية جديدة بعد ان حقق لنفسه نجاحاً مميزاً على الساحة كشاعر وملحن مرغوب ،
وفى عام 1943م دخل مجال العزف على العود محاولاً تحقيق مساحة جديدة من
النجاح الفنى بعد ان شعر ان المستقبل اصبح للالة الموسيقية التى جذبت
انتباة المستمعين الاذنى نحو الامكانيات المبهجة للالة الموسيقية ، وكانت
اولى اغنياته التى وضع كلماتها ولحنها مستعملاً الة العود اغنية ( بعيد
الدار طال بى بعدك منى يامولاى تنجز وعدك) وقد غناها زنقار ثم تلاها
بمجموعة اغانى كانت من نصيب ابراهيم عبدالجليل ( أضيع انا ، الساعة كم،
ماممكن اصرح) وغنى له كرومة (فى رونق الصبح البديع) وهى من كلمات محمد بشير
عنيق والحانه.
وفى عام 1946م تعرف على المطرب الناشئ التاج مصطفى ، ويقول التاج مصطفى عن
هذا اللقاء كنت محظوظاً بالطبع لان عبدالرحمن الريح شاعر كبير واغانيه
تسيطر على الساحة لنجاحه الساحق ، وكان يرعانى بكل الطرق وينصحتى ويعطينى
تجربته فى الحياة وفى الفن ببساطته المعهودة وقدمت معه
( راحة الضمير ، حيران فى الحب، انت السمير قلبى بيرتاح ليك ، الملهمة انا
رضيت ضميرى ، انا المعذب ، انصاف)
كانت الملهمة نقطة تحفة فنية ونقطة تحول فى تاريخ الغناء السود\انى ومرحلة
جديدة تعكس حياة المجتمع ، والمجتمع الامدرمانى يتطور باستمرار.
ومع الايام كان عبدالرحمن الريح باغانيه يصنع مجداً لكل مطرب يتغنى بالحانه
وعظمة صوت حسن عطية لم يصبح واقعاً يفرض نفسه على ساحة الطرب والغناء
السودانى إلا باغنيات عبدالرحمن الريح ( خدارى ، لو انت نسيت، حرمان، الوان
الزهور، يامارى عند الاصيل ، واغنية لو نسيت ) هذه الاغنية اخذت من وقت
وعقل وقلب عبدالرحمن الكثير.
ان عبد الرحمن كان صرخة مدوية فى اسلوب اللحن الحديث البسيط مما جعل حسن
عطية يتلقفه ويحتكره ، لكن من وقت لاخر كان يفلت منه ويفدم انتاجه الى
لمطربين اخرين ، وعند اضراب الفنانين فى عام 1950م قدم رمضان حسن فى اغنية
(الزهور صاحية وانت نائم) وعلى ابراهيم (إشراقة البشاشة) وخالد محمد احمد
(احبك والغرام قسمة) ونجحت هذه الاغانى بدرجة ممتاز واصبحت على كل لسان ،
فما كان من المطربين إلا فك الاضراب والعودة الى الاذاعة دون قيد او شرط .
اخذ عبدالرحمن الريح على عاتقه مهمة اكتشاف المواهب الجديدة وتحمل مسئولية
تقديمها ورعايتها فنياً حتى تحقق كل موهبة غنائية متميزة المكانة الفنية
التى تستحقها فقدم عمر احمد للجمهور ووضعه على اول الطريق باعمال جيدة ذات
قيمة وفيما بعد رفعه الى قمة المجد وهو دون السادسة عشر من عمره بالحان
تتميز بالحس الدافئ الحزين (كان بدرى عليك ، ليلة التلاقى ، الطاؤوس)
وغيرها.
كان له ايضاً الفضل فى اكتشاف ابراهيم عوض ولفت الانظار اليه بعد ان ادرك
ان ابراهيم هو الصوت الذى يحلم به ويبحث عنه فقدم له مجموعة من الاغانى
دفعة واحدة انتقل بعدها ابراهيم نقلة فنية جديدة يمكن ان نسميها قفزة خرجت
بابراهيم عوض الى الاضواء والشهرة وفتحت له قلوب الناس (ياغايب عن عينى ،
ليالى لقانا ، بسمة الايام ) وبسمة الايام هى اغنية ذات لحن غنى بالنغم
الساحر المثير لانبل العواطف وان فيه موسيقى تكفى لانجاح عدة اغانى ،
وبالفعل ابتسم الحظ لابراهيم بعد ان عاكسه طويلاً وعندما غنى هذه الاغنية
اصبح فنانا على مستوى احمد المصطفى وعثمان حسين وابراهيم الكاشف يقف معهم
على قدم المساواة بل تفوق على بعضهم بابتكاراته وتطور فى الاغنية الخفيفة .
يقول ابراهيم عوض عن رحلته الفنية مع مع عبدالرحمن الريح ( أن اغنيات التاج
مصطفى شغلت مساحة كبيرة من احلامى قبل ان اتجه الى الغناء ... حفظتها
ورددتها وعندما اكتشفت ان اغلبها من انتاجد جارى فى الحى الشاعر عبدالرحمن
الريح تمنيت فى داخلى ان اغنى اشعاره والحانه حتى اثيت لنفسى انى قادر على
تقديم الافضل ، وعندما عبدالرحمن روح الاستعداد عندى وافق على ان يتبنانى
وانا اعتبر تجربتى معه اهم خطوات حياتى الفنية)
ان العلاقة التى جمعت بين ابراهيم وعبدالرحمن الريح كانت علاقة تأثير وتأثر
فالاثنان كان لكل منهما دور فى حياة الاخر منذ ان تلاقيا عام 1953م وحتى
مرحلة الانقطاع الفنى والخصام فى عام 1958م.
وفى منتصف الخمسينات نضجت موهبة شاعرنا الكبير وبلغت ذروتها فقدم اغنية
انيقة هى (عيون المها) وما حققته هذه الاغنية من نجاح جماهيرى جعل منى
الخير اسماً يردده الجميع وينتظرون من صاحبته اعمالاً فنية اخرى بنفس
القيمة والجمال فقدمت اغنية ( يا منى عمرى وزمانى ، وليه قلبك نسانى) وكانت
هذه الاغنية تروى فيما تروى حب شاعرنا الكبير للفنانة الموهوبة الذى لم
يكتب له النجاح ... فتزوجت منى من عازف باوركسترا الاذاعة وتزوج عبدالرحمن
من امرأة اخرى.
وفى فترة ما بعد الاستقلال مباشرة اطلق نجوماً فى عالم الفن .. احمد
الجابرى ، صالح سعد ، حسن الجلال، واحمد الجابرى برغم موهبته وهى موهبة
فطرية جيدة فان هذه الموهبة الفطرية ماكانت لتنمو او تحلق الى اسمى افاق
لها لو انها لم تصادف هذا العبقرى الذى كان لشعره تاثيراً عليه مما لمسه
الجابرى واحس به حتى تدفق على الفور سيلاً منهمراً من الغناء .
وفى هذه المرحلة نجد ان عبدالرحمن الريح بخياله المبدع واسلوبه الشيق
وواقعيته الممزوجة بلمسات العصر التى تكشف ما بداخل الانسان من مشاعر
واحاسيس قد صاغ اغانى عاطفية ووطنية كانت هى المحببة عند الناس .
المرحلة الثالثة :- هى مرحلة الاجحاف ونكران الذات وبدايتها كانت عند منتصف
الثمانينات فالنجاح يخلق الحقد فى النفوس الضعيفة والعاجزة عن فعل شئ له
قيمة كما هو معروف ومشوار عبدالرحمن الريح فى هذه كان مليئاً بالاشواك
ولكنه مع ذلك لم ببأس وكان لديه ايمان عميق بان مازرعه بعناية وصبر سوف
يصبح ورداً وزهر يملأ بستان الامة بالفن الجميل.
وفى فترة ما يمكن ان نسميها هلوسة فنية اخذ بعض ناشئة الشعراء ممن يعملون
داخل لجنة النصوص لجهازى الاذاعة والتلفزيون ويرفضون انتاجه بحجة انه
لايرقى الى المستوى الاذاعى متجاهلين تاريخه الفنى وبصماته فى حركتنا
الفنية والشئ المؤسف حقاً ان من بينهم ما كان عبدالرحمن يراجع ويصحح له
اشعاره واخر قاد حملة ظالمة فى صفحة الفن فى احدى الصحف اليومية التى كان
يحررها وطلب نت الشاعر التوقف عن كتابة الشعر حفاظاً على تاريخه كما يدعى ،
ولكن جماهير شعبنا رفضت هذا التقرير المجحف فى حق شاعرنا الكبيبر الذى
طالما اسعد الامة السودانية بانتاجه الرفيع فقامت بارسال العديد من
المقالات تدافع فيها عنه لكنها لم تر النور .فذهب مؤلف الكتاب الى رئيس
تحرير الجريدة الموقرة وطلب منه ان تتوقف هذه الحملة الظالمة وبالفعل توقفت
تماماً ، ايماناً من الصحفى البارز بأن عبدالرحمن قيمة فنيه عالية ، ويتميز
بعقل راجح وفكر واضح ، حديثه متعه فنية رغم قلة احاديثه الصحفية .لكن اثار
هذه الحملة خلقت عنده الاماً واحزاناً قاسية كانت تنتابه من وقت لاخر حتى
وافته المنية.
ان عبدالرحمن الريح كان ضلعاً وركيزة ثابته من ركائز فن الغناء والموسيقى
فى السودان بأثره ولا يستطيع احد ان ينكر دوره فى تطوير الاغنية السودانية
بعد ما صيغها بشخصية المميزة والمحببة التى جعلت اعماله تملأ سماء السودان
ونورها مازال ساطعاً حتى اليوم وينير الطريق لكل الاجيال.
وبعد صراع مرير مع الالم مضى عبدالرحمن الريح حزيناً على العطاء الرائع
الذى قدمه ونكران الجميل الذى وجده من تلاميذه وهكذا اسدل ستار نهائياً على
جسده ولكن اعماله وامجاده وتاريخه ستظل نابضة بالحياة طالما بقى السودان
العظيم وسوف يفرد له التاريخ وصفحات تشهد كلها بعبقريته ومجده وبطولته
وريادته الفنية التى لا خلاف عليها.
|