English.      د. الفاتح      . اخبار         .جيتاريات        .موسيقى     .مهرجانات         استفسارات            .الرئيسة

 

 

العولمة مابين السهولة والتعقيد

                          د.الفاتح حسين أحمد

                                                                 كلية الموسيقى والدراما

جامعة السودان للعلوم والتكنلوجيا

مقدمة:-

مصطلح العولمة ظهر فى السنوات الاخيرة وحظى بكم هائل من اهتمامات الباحثين والدراسين ، العولمة تأتى عن طريق الفكر والمستوى الاجتماعى والتعليمى لكل شعب وأمة وقدرتها على بسط نفوذها وذلك بواسطة ادواتها التكنلوجية التوصيلية التى ابتكرها الانسان لتسهيل الحياة بالشكل الايجابى ولكنها زادت من تعقيدها وربما اصبحت غزو استعمارى فكرى يستولى على ثقافة شعب ما أو يغير من هويته وتراثه إذا لم يوجد المقابل الدفاعى لهذه الموجة الاخطبوطية الكاسحة  وبنفس السلاح الذى تستخدمه.

العالم  أصبح كبسولة مدمجة تسهل فيها عمليه التلاقى والاتصال ونشر الثقافات دون التقيد بالحدود مهما بعدت المسافات ، ولم يصدق الانسان نفسه فيما وصل اليه العالم من تكنلوجيا متطورة اختصرت الزمن وجعلت من الحياة ساهلة وجعلت من الاشياء التى كانت تتطلب زمن طويل وجهد كبير الان ماهى الى ثوانى معينة وتظهر النتيجة المطلوبة أى كان نوعها.

دخلت التكنلوجيا الحديثة فى كل المجالات بقوة واصبحت ثورة علمية جديدة إذا لم يتعلمها الانسان ويتجاوب معها يصبح جاهلاً ، فى قديم الزمان إذا لم يتعلم الانسان القراءة والكتابة يكون جاهلاً وسط مجتمعه ، أما الان إذا لم يتعلم التعامل مع التكنلوجيا الحديثة والتجاوب معها سيكون منعزلاً ، كل البشر الان يتعاملون مع اجهزة الموبايل بل واصبح جزء من الانسان وإحدى مرفقاته المحمولة يومياً اينما ذهب ولاتفارقه طيلة اليوم وبدونها يصبح بعيداً عن التواصل السريع مع أسرته وأصدقائه فى أى مكان فى العالم ، أجهزة الكمبيوتر اصبحت فى الوقت الراهن جزء من محتويات واثاثات المنزل بل انتشرت وسط الاحياء السكنية فى شكل أندية صغيرة  يجتمع فيها الصغار والكبار ، القنوات الفضائية تدخل كل بيت فى العالم دون إستئذان يتعرف فيها المشاهد على ثقافات أخرى ويتابع ما يحصل فى العالم من متغيرات يوميه سياسة وثقافية وصحة وتعليم  فى كافة المجالات الاجتماعية ، هكذا فرضت التكنلوجبا نفسها واصبح الانسان يتجاوب معها رغماً عنه وبدونها تتعقد حياته ، هكذا فرضت العولمة قوتها ونفوذها من خلال ادواتها.

الايجاببات والسلبيات:-

  لكل شئ فى الدنيا سالب وموجب، أو إيجابى وسلبى حيث ينطبق الحال على هذه الثورة التكنلوجية فى عصرنا هذا  وهى تحت إسم وشعار العولمة بأداوتها التوصيلية المختلفة، فبقدر ما لها من ايجابيات لها سلبيات حيث تمثل أهم  الايجابيات وصول الفكرة السريعة وتنفيذها وردها بنفس السرعة ، سهولة التماسك الاجتماعى بالاتصال السريع ، فرض ايدلوجيا سياسية معينة ،فرض ثقافات معينه بين الشعوب، الانتشار السريع فى المجال الموسيقى والفنى بالنسبة للفنانين، إجراء أدق العمليات الجراحية والدراسات العلمية من على البعد من خلال التواصل بشبكة الانترنيت،ايجايات فى كل المجالات غلب فيها المستحيل على ألا مستحيل.

أما السلبيات تكمن فى كيفية مواجهة هذا الزحف السريع بالنسبة للدول الفقيرة إذ  دائماً ما نجد الدول الغنية والقوية والمتطورة فى مجتمعها هى ذات النفوذ والانتشار والدول الفقيرة ذات المجتمعات البسيطة تقابل هذا النفوذ وهى فى موقف ضعف وتلعب دور المستهلك والمتأثر ، بالتالى إذا لم تتوخى هذه الدول الحذر وتقوم بعمل حماية لنفسها سوف تقع تحت ظل استعمار جديد فرضته العولمة،إستعمار فكرى  يغير ثقافتها وهويتها.

فى القديم كان الاستعمار وانتزاع الارض وفرض الثقافة الخاصة بالمستعمر والاستيلاء على شعب كامل بكل مقوماته الاجتماعية يأتى بقوة الدولة وسلاحها وتطورها فى التكتيك السياسى والعسكرى الخاص بها ،أما الان أتى الاستعمار بشكل آخر وبكل سهولة عبر شبكات فضائية تتضائل فيها الدول الفقيرة أمام الدول الغنية والقوية .

السودان وباقى القائمة من معظم الدول الافريقية وكل الدول التى تصنف ضمن دول العالم الثالث  ربما يكونوا أو يقعوا  فى موضع الضحايا لهذا الاستعمار مقارنة بالدول الغنية والقويه فى مجالات التقنية الحديثة .

بالتالى لمواجهة هذا التحرك المتزايد والمتطور فى كل ثانية فيما يخص مجال الثقافة وبالأخص مجال الموسيقى والغناء بشقيه التراثى والشعبى والحديث المعاصر بثقافة مجتمع تلك الدولة ، لا بد من  وضع أى كان من أنواع ألاسلحة مهمتها الدفاع و المحافظة على هوية هذا الشعب المعين حتى لا تذوب وتتضائل و تصبح الدولة ومرافقها بلا هوية  بل تصبح الدولة  إحدى أدوات المستعمر التى من خلالها ينفد وبكل هدؤ للمجتمع الخاص بتلك الدولة  لتتم عملية الاستيلاء الثقافى الفكرى  .

السودان:-

 من أكبر الاقطار الافريقية من ناحية المساحة واكثرها ثراءً فى العادات والتقاليد نتج عن ذلك تعدد ثقافى مميز مابين الاقاليم الخمسة به ، وهى الشمال والجنوب الشرق والغرب، والوسط الذى تمازجت فيه تلك التعددات، هذا الثراء المتميز بالافريقى العربى لابد من المحافظة عليه واستخدامه كسلاح لغزو ومواجهة اثار العولمة ،هذا السلاح تؤسس له وتصنعه كل المؤسسات والمرافق المعنية بالامر فى كل دولة إبتداء من التعليم العام والعالى و وزارات الثقافة والاعلام والمؤسسات التعليمية ذات التخصص الدقيق فى مجال الفنون .

هذا السلاح لابد أن يتزود ويصنع من الثقافة المحلية مستفيداً من التكنلوجيا كأداة توصيلية وأخذ ماهو متطور منها مع توطينه دون أن يؤثر فى ثقافة الدولة المعنية بما فيها من مجتمعات صغيرة وقبليات، بالتالى يصبح أداة توصيلية قوية تحمل سمات كل دولة حافظت على هويتها وإهتمت بتراثها القومى وتزودت منه.

توصيات:-

لكل دولة مؤسسات ومرافق معينة مسئولة من هذا الامر منها التخصصية العامة والتى تمثل وتشكل سياسة الدولة العامة ومنها ذات التخصص الدقيق والتى تؤهل وتخرج الكوادر ، وعلى سبيل المثال من هذه الدول السودان، بالتالى تأتى التوصيات لكل مؤسسة ومرفقاتها وفق الجدول أدناه:-

 

1- المؤسسات التخصصية العامة

 

 

المؤسسة

المهمة
1-

وزارة التعليم العام

إدراج مناهج موسيقية سودانية مسموعة ومقرؤة ومشاهدة وتطبيقية تساعد  النشئ على التعرف بثقافتهم المربوطة بالبيئة المحلية

2-

وزارة التعليم العالى

تشجيع البحوث والدراسات العلمية فى مجال الفنون القومية والاهتمام بتبادل الخبرات وتدريب الكوادر المتخصصة.

3-

وزارة الثقافة

دعم وتشجيع روافدها والاهتمام بالمهرجانات والمنافسات الاقليمية و التشجيع لتناول المادة المحلية والاستفادة من البرتكولات الثقافية ودعم وتأهيل المتخصصين فى مجال تصميم العاب الكمبيوتر لابتكار العاب مستوحاة من القصة والحكاوى السودانية والمسلسلات التلفزيونية الكرتونية

4-

وزارة الاعلام

الاهتمام بالفن المحلى وبثه ونشره وإعطاءه المساحة الكبرى  من خلال روافدها المسموعة والمقرؤة والمشاهدة.

 

 

 

2- المؤسسات التعليمية ذات التخصص الدقيق

 

وهى تخص كلية الموسيقى والدراما وكلية الفنون وكلاهما يتبعون لوزارة التعليم العالى وإدارة جامعة السودان للعلوم والتكنلوجيا ،نختار كلية الموسيقى والدراما كنموذج.

 فى عام 1968م صدر قرار تأسيس معهد الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية سابقاً تحت مظلة وزارة الثقافة والاعلام وظل تابعاً لها إلى أن تغير الاسم الى المعهد العالى للموسيقى والمسرح ثم تحولت إدارته للتعليم العالى وفى عام 1998م تحول الى كلية تابعة لادارة جامعة السودان للعلوم والتكنلوجيا، وكان المنهج المتبع هو المنهج الغربى مع التأثير الكورى أما فى السنوات الاخيرة اصبح المنهج الغربى هو المنهج المتبع بالاضافة الى بعض المواد السودانية مثل الصولفيج والتطبيق العملى وقسم التأليف وما يتبع له من الاوركسترا والكورال والمتخصصين بقسم الصوت  هذه المواد تدرس وذلك بخط متوازى مع المنهج الغربى.

من أهم الاهداف التى بموجبها صدر قرار هذا التأسيس هو خلق جيل من أهل الفن قادرين على النهوض بفن أصيل قائم على إصول علمية راسخة ومبنية على أسس الفن المحلى يمكن خلاله كشف الامكانات الموروثة فى الوجدان السودانى،

هكذا كما جاء فى كتيب أمر تأسيس معهد الموسيقى والمسرح بالاضافة إلى أهداف أخرى مهمة جدأ تهدف الى وضع الحركة الفنية فى المسار العلمى الصحيح وتأهيل الكوادر للعمل بتدريس هذه الفنون ونشرها بين المواطنين لتكون أداة فى بناء نهضة قومية.

إذا تأملناإلى تلك الاهداف وإمكانية تحقيقها نجدها أداة قوية  لمواجهة آثار العولمة، واتخاذها وهى تنهم من التراث المحلى الاصيل مزودة بالعلم يزيد من قوتها وصلابتها وذلك بالتماسك الاجتماعى القومى الذى تحققه تلك الاهداف .

 فى بداية تأسيس معهد الموسيقى والمسرح والفنون الشعبية كان هناك قسم خاص يهتم  بدراسة الالة الشعبية ولكنه لم يستمر طويلاً بل توقف تماماً وذلك  ربما للظروف التى مرت بتاريخ المعهد منذ تأسيسه من تنقلات من مكان إلى مكان آخر مما سبب عدم الاستقرار الاكاديمى.

كلية الموسيقى والدراما (المعهد العالى للموسيقى والمسرح) الان اصبحت إحدى الكليات التابعة لادارة جامعة السودان وتتمتع بالاستقرار والكوادر السودانية من الاساتذة المدربين والمؤهلين علمياً وممن لهم اسهاماتهم على الصعيد الفنى، هذه الكلية لابد أن تهتم أكثر بتحقيق تلك الاهداف كما ورد فى اهميتها وذلك بالاهتمام يتدريس الالة والغناء والثقافات القبلية والشعبية لمختلف أقاليم السودان وبين الاهالى لإنعاش  قسم الفنون الشعبية من جديد وبشكل متطور مستخدماً أدوات العولمة التكنلوجية، و لتنفيذ هذا البرنامج لابد من وضع خطة ممنهجة يساعد فيها الطلاب والاساتذة وخاصةً بقسم الموسيقى الذى تستمر فيه الدراسة لمدة خمس سنوات و يتكون من خمس فصول تحتوى على عشرة فترات دراسية (سمستر) بمعدل كل فصل فترتين دراسيتين بالتالى نوصى بالاتى:-

1-      جمع وفرز البحوث والدراسات السابقة والتسجيلات المرئية والمسموعة من المواد الشعبية السودانية لإستخلاص مناهج نظرية وتطبيقية. بحيث يتم تدريسها لطلاب قسم الموسيقى على مرحلتين ،الاولى نظرية والثانية تطبيقية كالاتى:-

(أ) المرحلة الاولى، تدريس طلاب الصف الاول والثانى المادة النظرية التعريفية المرتبطة بالعادات والطقوس الموسيقية الغنائية  لكل اقليم من الاقاليم السودانية الخمسة (شمال جنوب،شرق وغرب، ووسط)

(ب) المرحلة الثانية تبدأ مع بداية الفصل الثانى وتنتهى بنهاية الفصل الثالث حيث يختار الطالب وبرغبته تخصصه الثانى فى مجال التخصص الدقيق سواء آلة أو صوت بإعتباره تخصص إضافى و يساعده فى إختيار هذا التخصص المادة النظرية التى تلقاها فى الصف الاول، ويقوم بتدريسهم لهذا التخصص  مدربين ومعلمين ممن لهم دراية كافية فى مجال العزف على الالات الشعبية والغناء الشعبى بمختلف اللهجات بحكم المواقع  الجغرافية لها  داخل السودان.

مع بداية الفصل الدراسى الرابع يقوم الطالب باعداد دراسة أو بحث للمادة التخصصية الاضافية التى إختارها تتضمن تدوين الألحان الشعبية التى درسها بالفصل الثانى والثالث  وتقديمها عمليا ً سواء أن كان ذلك فى مجال العزف أو الغناء ،هذه البحوث يستفاد منها فى تغذية المكتبة بالتالى تغذية المناهج الخاصة بكل مجال وتطويرها.

خاتمة:-

 لابد من الحفاظ على الهوية وعدم تعريضها للاندثار فى عصر أصبح فيه الاستعمار يأتى عن طريق الاستحواذ على الفكر والاستيلاء على ثقافة شعب بكامله بواسطة التكنلوجيا والتى طالما زادت من تسهيل الحياة زادت من تعقيدها.